رئيسية الموقع   

مركز البصيرة للبحوث والاستشارات و الخدمات التعليمية - الجزائر
الرئيسية
أهداف المركز
كلمة المدير
اتصل بنا
دراسات عليا متخصصة
دراسات إسلامية
دراسات اقتصادية
دراسات استراتيجية
 
الندوة الشهرية
الدوريات والبحوث المنشورة
الخدمات التعليمية
التدريب والتنمية البشرية
وثائق وتقارير

          قريبا
رجال على بصيرة قريبا
مؤسسات على بصيرة قريبا

بحوث ومقالات جديدة

مواقع مميزة جديد





تعرف على جامعة الإمام الأوزاعي

إقرا أيضا

الإنعكسات الإجتماعية لبرامج الإصلاح الإقتصادي في البلاد العربية: حالة الجــــزائــــر

إشكالية الفهم كزاوية لكتابة تاريخ الاستعمار الفرنسي بالجزائر

ديمقراطية التعليم في الجزائر بين منطق الحصص و مبدأ تكافؤ الفرص

الآليات الاجتماعية لتفشي ظاهرة الفقر في الجزائر

النوادي الالكترونية تحديات وبدائل

المشروع الثقافي الاستعماري وثورة نوفمبر في الجزائر

المؤتمر السنوي لعلم الاجتماع في هولندا 31-5-2007

ما السبب الذي قد يجعل أمريكا لا تهاجم إيران؟

اتجاهات الشباب والمراهقين  حول تكنولوجيا الإنترنت سنة 2000


----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 

 
  • المرجعية في الجزائر باقية وفاعلة رغم إرادات التشويه وفتن الرويبضة

  • نقف ضد علمنة وتغريب المنظومة الاجتماعية في الجزائر

أجرى الحوار : فاروق أبو سراج الذهب

 

الشيخ عبد الرحمان شيبان من علماء الجزائر البارزين ،ورمز من رموز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين عايشوا أهم فترات تاريخ الجزائر المتميز بالتنوع واللحظات التاريخية الهامة في مسار الجزائر المستقلة ،ونعتبره الشخصية الجزائرية الشاهدة على ابرز مراحل التطور السياسي والاجتماعي للجزائر بل ومن الرجال الذين عرفوا أدق تفاصيل الأحداث الجزائرية سواء تلك التي كانت قبل الإعلان عن التعددية السياسية أي في عهد الحزب الواحد أو تلك المتعلقة بجزائر مابعد التعددية ،حيث كان الشيخ وزيرا للتربية ثم الشؤون الدينية والأوقاف أيام كانت الجزائر معروفة بملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت بمثابة المنبر الحر لعلماء الأمة للقاء أولا ثم لدراسة ما يستجد على ساحاتها الوطنية والعالمية ، بغرض معرفة واقع الجمعية بعد أن عاشت ما يقارب العشرين سنة في مرحلة الحزب الواحد الذي كان لا يسمح بوجود الجمعيات فضلا على حل بعض الجمعيات الأخرى ووضع رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ البشير الإبراهيمي في الإقامة الجبرية بعد الاستقلال عندما عارض التوجه الاشتراكي للدولة وبقي في الإقامة الجبرية  إلى أن مات رحمه الله  سنة 1963 ،تاركا أزيد من 3600 بيت في قصيدة مطولة تحكي أحداث تلك الفترة .

انتم أيها القراء أمام رجل عينه رئيس جمعية العلماء الإمام الشيخ البشير الإبراهيمي أستاذا للبلاغة والأدب العربي بمعهد عبد الحميد بن باديس بمحافظة قسنطينة "شرق الجزائر" سنة1948 ،وهو من الأعضاء النشطين في والمجاهدين في المنظمة المدنية لجبهة التحرير الوطني في الجزائر ورئيس تحرير مجلة الشباب الجزائري التابعة للجبهة بتونس في سنوات الثورة وعين مستشارا لرئيس بعثة الثورة الجزائرية بليبيا سنة1960 ،وهو إمام جمع في عهد الاستقلال نخبة من أعضاء جمعية العلماء ومعلميها لإحباط دعوة تجعل اللائكية اساسا للدستور الجزائري المنشور في 09 اوت 1962 بتوجيه نداء للشعب في 22 اوت 1962 ،وكان من أعضاء المجلس الوطني التأسيسي في فجر الاستقلال سنة1962 مقررا للجنة التربية كما كان إسهاما في جعل "الإسلام دين الدولة" "والعربية اللغة الوطنية الرسمية" خلافا للتيار التغريبي الذي طالب بإصرار بان يكون الإسلام  واللغة دينا ولغة للشعب وليس للدولة، وذلك من خلال عضوية اللجنة المكلفة بإعداد دستور الجزائر في بداية الاستقلال .

عين الشيخ وزيرا للشؤون الدينية لمدة ست سنوات "1980-1986 " حيث اشرف على تنظيم ست ملتقيات للفكر الإسلامي منها ملتقى القرآن الكريم والسنة النبوية وكذا ملتقى للاجتهاد والصحوة الإسلامية والإسلام والغزو الثقافي والإسلام والعلوم الإنسانية .كما كانت للشيخ مساهمة ايجابية في افتتاح جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بمحافظة قسنطينة وتعيين المفكر والمصلح الإسلامي الشيخ محمد الغزالي رئيسا للمجلس العلمي وتمكينه من إلقاء الدروس المتلفزة المشهورة ،كما كانت له جهود في دمج الشيخ محفوظ نحناح والشيخ محمد بوسليماني رحمهم الله في التعليم بعد مرحلة السجن قال فيه العالم الكاتب الشاعر الجزائري المرحوم حمزة بوكوشة في افريل 1964 حين ناصر رئيس جمعية المسلمين الجزائريين الشيخ البشير الإبراهيمي في لزمته مع السلطة الجزائرية :

شيبان دامت مساعيكم مكملة                لايعتريها مدى الأيام نقصان

إن ابن باديس في الجنات يذكرهم          لموقف كان فيه العز والشان

 

وفي هذا الحوار مع الشيخ عبد الرحمان شيبان تتعرض إلى راهن الجمعية وأدوارها الرسالية في الجزائر اليوم وهي نعيش مرحلة ما بعد الفتنة العمياء التي راح ضحيتها أزيد من مئة ألف قتيل ،والحديث مع الشيخ يحيلنا مباشرة إلى طبيعة الشخصية الجزائرية التي تحب وطنها حبا مجنونا لأنها تعرف جيدا ما معنى كلمة وطن فهي معه ظالما أو مظلوما .  

 

 

 

 

س : كيف تحبون القراء ان يبدأو معكم هذا الحوار؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان :  فإن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لم تتأسس صدفة ، ولا جاءت طفرة، بل هي ثمرة جهود قام  بها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقد أرادوها ردّا على دعوى المستدمر الفرنسي الذي احتفل عام 1930 على مرور مائة سنة على احتلاله للجزائر فكان الإعلان عن تأسيسها جوابا حازما وحاسما على خيبة مسعاه، وبطلان دعواه، كما أرادها الله تصديقا لنبوة نبيه عليه أزكى صلاة وأتم سلام التي تضمنها حديثه:«إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».

ولا يخفى على أحد أن جمعيتنا هذه قد تكفلت قبل الثورة بمهام أساسية هي:

-       الحفاظ على الإسلام والدفاع عنه ومقاومة كل محاولات تنصير المجتمع.

-       الحفاظ على اللسان العربي ومقاومة محاولات الفرنسة وإحباطها.

-       مقاومة محاولات الإدماج ومساعي وتذويب المجتمع الجزائري في الكيان الفرنسي.

وقد تطلب ذلك نشر التعليم العربي وإذكاء الفكر الديني وبث الوعي السياسي قصد تهيئة العقول والنفوس لتحمل مسؤولية القيام بالواجب حالة نشوب حرب تحريرية تقتضيها رغبة الشعب في استرجاع  سيادته المسلوبة،واعتمدت كذلك استراتيجية طويلة المدى سخرت لها أدوات منها:

-  إنشاء المدارس والتوسع في التعليم وجعله يشمل الجنسين ومتعدد المراحل واتخاذ الإجراءات التي تسمح لخريجي مدارس الجمعية بمواصلة التعليم العالي خارج الجزائر مثل تونس والمشرق العربي.

-       بناء المساجد والتوسع فيها تكثيرً المنابر الدعوة ونشر الفكر الديني الصحيح عند الكبار

-  تأسيس النوادي لاستقطاب الشباب واتخاذها إطارًا  للتكوين الثقافي والسياسي قصد تحصينهم ضد الانحراف ومحاولا ت  تخديرهم من قبل المحتل لصرفهم عن واجباتهم الوطنية والاجتماعية .

-  إصدار الصحافة الناطقة بالعربية  لنشر فكر الجمعية على أوسع نطاق ولاستقطاب الكفاءات ذات التوجه  الوطني للاستفادة من جهودها  في خدمة أهداف الجمعية.

-       استغلال المجالس العامة والخاصة وتوظيف المناسبات الاجتماعية والدينية لخدمة أهداف وغايات الجمعية.

-     إنشاء جمعيات خيرية ورياضية وكشفية لاستغلال أوقات الفراغ ومحاربة البطالة وتدريبا لأفراد المجتمع على التنظيم والتسيير لتكوين قاعدة من القيادات تفيد المجتمع في القيام بمسؤولياته كاملة عند اللزوم، وقد استطاعت الجمعية – بحمد الله – وبفضل الرجال الذين سخرهم الله لتأسيسها أمثال الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي والعربي التبسي والفضيل الورتلاني أن توفق إلى تحقيق أهدافها  في تهيئة الشعب للقيام بواجبه نحو وطنه ودينه ولغته إذ ثار في وجه المحتل وحرر أرضه وطهرها من دنسه واسترجع سيادته عليها كاملة غير منقوصة.

أما فيما يتعلق  بي فأنا قد كنت طالبا بمعهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة ثم غدوت أستاذا فيه وجندت نفسي لخدمة أهداف الجمعية أستاذا في معهدها وكاتبا في صحفها ولما قامت  الثورة المباركة  سخرت قلمي للدفاع عنها والدعوة  لها والرد على ما كان يروج ضدها.

أمّا رمضان بالنسبة للجزائريين فله خصوصية عندهم فهو يذكرهم باتخاذه عهد الاحتلال البغيظ وسيلة لتعبيرهم عن رفضهم له  فصيامهم له جميعا حتى صغارهم كان صرخة  يعبرون بها له  عن تمسكهم بإسلامهم.

وهو بالنسبة للجمعية فرصة سانحة لبث الوعي الديني وتجديد صلته بالمجتمع بأمجاد الإسلام ومفاخر المسلمين ولذلك ترانا في هذا الشهر الفضيل نستنفر رجالنا في جميع الشعب لينتشروا محاضرين ومدرسين في المساجد والمراكز والنوادي  وينتهزونه فرصة لإصلاح ذات البين ومعالجة المعاني السامية التي شرعت لها فريضة الصوم  كمغالبة  الشهوات وضبط النفس والتضامن والتكافل وما إلى ذلك من المعاني التي عبّر عن بعضها أحد شعرائنا – رحمه الله – الشيخ محمد الأخضر السائحي الكبير – رحمه الله – فقال:

ذكّر الأرض عهودا                               هي من خير العهود

يوم كان الصوم معنًى           للتسامي للصعود

ينشر الرحمة في الأ                        رْض على هذا الوجود

            يربط الأرواح بالحــــــــــــــب ويودي بالصدور

يرهف الإحساس حتى             لم يكن  معنى الجمود

فتكاد اليد تقــــــ                                   ـــبض أسباب الخلود

س: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قبل الثورة وأثناء الثورة وما بعد الاستقلال وفي فترة التوقيف والآن ماذا بقي من مبادئها وأهدافها وتراثها؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان: ركزت الجمعية جهودها قبل الثورة على محاربة اليأس وبعث الأمل في النفوس وتجديد الثقة في قدرة الشعب على تغيير الواقع الذي  فرضه عليه المحتل ومحاربة الجهل والأمية وإصلاح  الأخلاق وبعث الوعي السياسي الذي يهيئ الشعب للثورة على المحتل.وذلك بمدارسها الحرة ومساجدها وأنديتها ، وصحفها، وحافظت على مبدئها كجمعية وطنية  مستقلة وإن كان لها رأي في جميع القضايا الوطنية .

أما أثناء الثورة فقد انصرفت الجمعية إلى ا مداد الثورة بالرجال وتعبئة  الشعب للالتفاف حولها. إذ انخرط رجالها وأتباعها في صفوف جبهة التحرير الوطنية وأبلوا  في النضال بلاء حسنا وكان منهم شهداء .أما بعد الاستقلال  فقد وضعت  نفسها في خدمة الدولة التي دينها الإسلام  ولغتها العربية ودعم جهودها في البناء والتشييد. وقد كان  لرجال الجمعية الأثر الإيجابي في التربية  والتعليم  والوعظ والإرشاد وتنشيط الحياة الثقافية وحتى عند توقيفها ظل رجالها وأبناؤها يعملون ليل نهار في خدمة مبادئها وتحقيق أهدافها  وكان لهم الدور المشرف في خدمة  الإسلام والعربية، وهاهي اليوم بعد أن عادت إلى النشاط في عهد التعددية تواصل جهودها عن طريق النوادي،وإن كانت جمعية العلماء لمسلمين الجزائريين قد توقفت  في عهد الاستقلال فلا  يعني ذلك أن رجالها انفرط عقدهم وانقطع بذلك تأثيرهم في المجتمع.بل ظل رجالها مخلصين لمبادئها مؤمنين بأهدافها وبقوا يعملون كل في مجاله وحسب اختصاصه،  بما يمليه عليهم الضمير، ويدعوهم إليه واجبهم الديني والوطني إلى أن أذن الله بعودتها من جديد في عهد التعددية فسارعوا عندها للإعلان عن عودتها إلى النشاط، فعادت إلى العمل وبادرت بتأسيس شعبها في جميع أنحاء القطر،وإصدار صحيفة (البصائر) لسان  حالها واستعادت مركز ميلادها الذي هو (نادي الترقي).

وإن كانت الجمعية فيما مضى تمثل  المرجع الديني والتربوي والإصلاحي فهي في عهدها الجديد تقوم بدور الإسناد لمؤسسات الدولة الرسمية  المختصة في الشؤون الدينية  والتربوية والاجتماعية. من حيث أن ما كانت تطالب به في عهد الاحتلال  قد تحقق – بحمد الله – في عهد الاستقلال فالإسلام هو الدين الرسمي للدولة واللغة العربية هي اللغة الوطنية الرسمية  للدولة فدورها إذن لا يتوجه إلى المطالبة وإنما ينصرف إلى حماية ما تحقق وتثبيته وترسيخه. وهكذا  انصرفت  جهودها إلى إثراء الثقافة العربية والفكر الديني بالتعاون والتنسيق مع الجهات الرسمية والشعبية، ونحن  نركز على توعية وتنوير أهل الحل والعقد في المجتمع بما يحفظ للإسلام نقاءه ويدعم أثره ويقوى  فاعليته في المجتمع ونسعى إلى تعزيز اللسان العربي حتى يكون أداة اتصال وتواصل وحتى تكون اللغة العربية هي الأداة الأولى للبحث والتفكير, ولغة للتعبير والتسيير.

فالجمعية متمسكة بمبادئها الإصلاحية الإسلامية ووجهتها الوطنية وبتراثها الفكري والأدبي أما تراثها المادي فقد آلت مدارسها الحرة إلى نظر  وزارة التربية   ومساجدها إلى وزارة الشؤون الدينية، ولا تزال  جريدة البصائر لسان حلها بشعارها الأول رابطة الحاضر بالماضي فلا تجديد إلا في بعض المظاهر المادية.

س: تعرضت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى مرحلة تهميش بعد الاستقلال وانبعثت بعد التعددية من جديد ماهي الظروف التي أدت إلى ذلك وكيف انبعثت  من جديد؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان: معروف أن الفترة التي تم إيقاف الجمعية فيها عن نشاطها هي فترة ساد فيها النظام الاشتراكي كثيرا من بلدان العالم الثالث وقد كان لاينظر بارتياح للدين كما كان يؤمن بالمركزية ونظام الحزب الواحد وباعتبار ذلك اقتضت الظروف آن ذاك إيقاف كل الجمعيات والتنظيمات الجماهيرية إلا تلك التي انضوت تحت لواء الحزب الواحد, أي أن الجمعية لم توقف عن نشاطها استثناء بل كان إجراءا عاما مس جميع الجمعيات آن ذاك.ولكن رجالها وممثليها تولوا مناصب هامّة في الدولة مثل وزارة  الشؤون الدينية والتربية والتعليم ، كما شغلوا الوظائف الإدارية المفتوحة للمواطنين.

وكما قلتم لمّا أطلّ عهد التعددية  بعد صدور دستور 1989، الذي أقرّ بالتعددية غدت الظروف ملائمة لعودتها إلى نشاطها من جديد فعادت وقد لقيت كل ترحيب ومباركة وهي اليوم تقوم بدورها بكل ثقة وإيمان.

س: الجزائر بعد مرحلة الفتنة تعرضت إلى كسر وقتل وقبر المرجعيات الدينية, تتحمل السلطة جزءًا كبير منها كما يتحمل العلماء الجزء الباقي , فهل تحمل الجمعية على عاتقها مسؤولية إعادة بعث المرجعية الدينية في الجزائر؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان: أنا لا أوافقكم على أن السلطة أو العلماء يتحملان مسألة كسر وقتل وقبر المرجعية الدينية على حدّ تعبيركم هذا من جهة ومن جهة ثانية المرجعية الدينية في الجزائر برغم الفتنة التي ألمحتم إليها لم تضار بل بقيت صامدة في الميدان تعبر عن رأي الإسلام في كل ما كان يعرض للمجتمع الجزائري من مواقف أليمة أو سارة , فلدينا وزارة الشؤون الدينية والمجلس الإسلامي الأعلى وهيأة الإفتاء كانت ولا زالت وستبقى تعبر عن رأي الإسلام في ربوع الجزائر بصدق وأمانة لا تأخذها في الله لومة لائم أما عن دور الجمعية سيظل يركز على إسناد هذه المرجعيات وتعزيز دورها في المجتمع بما يوحد الرأي ويعزز وحدة هذا الشعب .

س: ما هو تقييمكم للمرجعية في الجزائر اليوم؟ لقد أجبنا عن هذا السؤال آنفا وإن كان لابد من إضافة فإنني أقول أن المرجعية الدينية في الجزائر لاتقل كفاءة واقتدارا عن أية مرجعية دينية أخرى في أي بلد إسلامي ويكفي للتأكد من ذلك أن يرجع إلى إسهامات علماء الجزائر في ملتقيات  الفكر الإسلامي التي كانت  تنظم  في هذه البلاد سنويا بل أن مرجعيات الجزائر الدينية –بحمد الله- عضو رسمي في المنظمات الإسلامية والمجامع الفقهية وتلك شهادة لها بمقدرتها على تحمل عبء مسؤولية تمثيل الإسلام والتعبير عن رأيه فيما يطرأ من النوازل عندنا أو  عند غيرنا .

س: بالرغم من أن للجمعية دور كبير في تاريخ الجزائر إلا أن الكتابة حول الجمعية كانت انتقائية وجهودها أصبحت مغفلة اليوم بل وعليها ركام من الشبهات لاسيما أثناء الثورة ما رأي الشيخ في ذلك؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان : من قال أن جهود الجمعية أصبحت مغفلة فها أنت تقر بأنها كان لها دور كبير في تاريخ الجزائر فلا شك أنك سمعت أو قرأت عنها ولو كانت جهودها مغفلة ما كان لها أن تستأنف نشاطها من جديد وتعيد بعث نشاط جميع شعبها في كل ربوع الجزائر أما الكتابات الانتقائية فذلك يرجع للصراع الاجتماعي الذي  لا يخلو منه مجتمع فكل مجتمع تظهر فيه أفكار وأفكار مضادة وتلك سنة الله في خلقه أما قال سبحانه وتعالى : {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْضُ}أمّا فيما يتعلق بالشبهات فقد أتينا بالدليل القاطع على  أن الجمعية كانت سباقة لتأييد الثورة ومناصرتها بدليل البيان الذي نشره في الصحف المصرية بتاريخ 03 نوفمبر 1954الشيخ الفضيل الورتلاني وهو أحد أبرز أعضاء هيئتها الممثلة لها في المشرق العربي آنذاك والذي جاء فيه:"حيَّاكم الله أيها الثائرون وكتب ميّتكم في الشهداء الأبرار وحيّكم في عباده الأحرار.

لقد أثبتم بثورتكم المقدسة هذه عدة حقائق :

الأولى أنّكم سفهتم دعوى فرنسا المفترية,التي تزعم أن الجزائر راضية مطمئنة ,فأريتموها أن الرضى بالاستعمار كفر, وأن الاطمئنان لحكمه ذل, وأن الثورة على ظلمه فرض..

وقد أردف هذا البيان ببيان ثان وقعه الشيخان محمد البشير الإبراهيمي ثاني رئيس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والفضيل الورتلاني نشر  في الصحف المصرية تحت عنوان  (نداء إلى الشعب الجزائري المجاهد)بتاريخ 15نوفمبر 1954 ومما جاء فيه :" حياك الله وأحياكم , وأحيا بكم الجزائر , وجعل منكم نورا يمشي من بين يديها ومن خلفها, هذا هو الصّوت الذي يسمع الآذان الصّم, وهذا هو الدواء الذي يفتح الأعين المغمضة, وهذه هي اللغة التي تنفذ معانيها إلى الأذهان البليدة, وهذا هو المنطق الذي يقوم القلوب الغلف, وهذا هو الشعاع الذي يخترق الحجب والأوهام.

"...إن فرنسا لم تبق لكم دينا ولا دنيا, وكل إنسان في هذا الوجود البشري, إنما يعيش لدين ويحيا بدنيا , فإذا فقدهما فبطن الأرض خير له  من ظهرها.

إلى أن ختماه بقولهما فيه صراحة لامورابة:

"فسيروا على بركة الله, وبعونه وتوفيقه إلى ميدان الكفاح المسلح, فهو السبيل الوحيد إلى إحدى الحسنيين , إمّا  موت وراءه  الجنة وإمّا حياة وراءها العزة والكرامة".

وقد استجاب  أبناء  الجمعية  ورجالها مثل باقي الشعب لهذين  الندائين والتحقوا بجبهة التحرير الوطنية  وانخرطوا في كتائب جيش التحرير الوطني ، ومن ثمة وباعتبار ما سلف نقول أن كل من يثير الشبهة حول موقف الجمعية من الثورة التحريرية المباركة هو الأحق , بالاشتباه في نواياه تجاه الأمة والوطن.   

س:  كان للجمعية أثناء الاستعمار ما يزيد عن 360 مدرسة للتعليم أما الآن تكاد تكون الجمعية بدون حتى مقرات للعمل , كيف تنظرون إلى هذه  القضية  الحيوية, وهل هناك ضغوط تعيشها الجمعية؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان: الجمعية في الماضي كانت تضطلع وحدها بمسؤولية التعليم وبث الفكر الديني والوعي السياسي أما اليوم فهناك هياكل رسمية للدولة تتولاها عنها ثم من قال أن الجمعية بدون مقرات أو أنها تعاني من أية ضغوط إن جمعيتنا يا سيدي معتمدة بشكل رسمي وهي تمارس عملها وتوالي نشاطها في إطار ما يسمح به القانون وهي تحظى بولاء الشعب واحترام الجهات الرسمية وتشارك بفعالية في الحياة الدينية والثقافية في مجتمعنا ولله الحمد.وأما مدارسها ومساجدها ونواديها فقد آلت  إلى 

و زارة  التربية  ووزارة الشؤون  الدينية، وفي نية الجمعية المطالبة ببعض  المحلات والمدارس التي حولت عن وضعيتها الأساسية.

س: كيف تتعامل الجمعية مع السلطة والعكس , وهل لكم علاقات مع باقي الطبقات السياسية والاجتماعية وماهي طبيعتها ؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان :لقد ذكرت آنفا أننا جمعية فكرية دينية ثقافية لا شأن لنا بالأمور السياسية الحزبية وعلاقاتنا مع السلطة ومختلف الطبقات السياسية والاجتماعية هي علاقة تعاون وتكامل فيما يخدم قضاينا الوطنية  ويكفل لمجتمعنا الجزائري أمنهُ واستقراره وازدهاره ونحن نضع معارفنا وخبراتنا وتجاربنا في المجال الديني والفكري والإصلاحي في خدمة بلادنا في إطار ما يعزز  دور الإسلام والعربية ويحفظ للمجتمع وحدته وتماسكه وانسجامه والسلطة تقدر ذلك

س: تتعرض ثوابت الأمة في الجزائر إلى العديد من التحرشات الأمر الذي مكن الأطراف العلمانية ولا سيما في المنظومة التربوية وكل مشاريع في الجزائر فهناك  من يقول بأن الجزائر تعلمنت بتزكية من جمعية العلماء وبعض الأحزاب الإسلامية ولا سيما بخصوص قانون الأسرة وإلغاء شعبة العلوم الإسلامية من التعليم الثانوي, فماهي مواقفكم شيخنا من كل ذلك ؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان: الله يشهد أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد تصدت لمحاولات العلمنة منذ فجر الاستقلال حيث كان البعض يطالب بلائكية الدستور الجزائري و هذه مقالاتنا حول قانون الأسرة التي نشرناها في البصائر لسان حال الجمعية تنفي بشكل قطعي تأيد الجمعية لأية علمنة  بل أذهب أبعد من ذلك فأقول أن جمعيتنا قد وفقت إلى حد بعيد في  كبح جماح العلمنة في بلادنا وإلا لكان الحال غير الحال الذي تراه.

س: تقفون إلى جانب المصالحة فكيف تفهم الجمعية  المصالحة الوطنية وهل الميثاق كفيل بمعالجة الأزمة الجزائرية؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان: لا تستطيع الجمعية إلا أن تقف إلى جانب  المصالحة  الوطنية إمتثالا لقوله تعالى { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ }وقد أسلفت أن الجمعية  تحرص على وحدة وتماسك المجتمع  ومن ثم  فمن الطبيعي أن تبارك كل جهد يرمي إلى توحيد الصّف ورأب  الصدع واعتقادنا بأن الميثاق حتى إن افترضنا أنه لا يحل الأزمة الجزائرية كلها ويحسمها بشكل نهائي فإن ذلك لا يجعلنا نغفل دوره في تعزيز جهود الدولة الرامية إلى تجاوز الأزمة هذا إلى جانب كونه يستجيب لآمال فئة بل فئات كثيرة من هذا المجتمع.

س: لكم حضور مميز في مجمع الفقه الإسلامي الدولي هل يمكن أن تحدثونا  عن دور هذا المجمع؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان: دوره قد حددته تسميته  فهو يتكفل بإيجاد حلول فقهية  للنوازل التي تعرض للأمة الإسلامية بحكم التحولات المتوالية في عالم السياسة والاقتصاد والفكر أي التحولات الحضارية برمتها، بما يتيح للمسلم فردا كان أو جماعة الانتفاع مما يتيح التطور الحضاري من إمكانيات ويوفره من منافع من غير أن يترتب عن ذلك تنكره لدينه أو انسلاخه عنه باختصار جعل المسلم مع كونه كذلك معاصرا أو مسايرا للتطور في جميع مجالات الحياة من غير حاجة إلى تفريطه في قليل أو كثير من عقيدته وشريعتها السمحاء تماما كما تمنى ذلك الرئيس المؤسس لجمعيتنا الشيخ عبد الحميد بن باديس ودعا إليه طيلة حياته كما يشهد بذلك قوله:«حافظ على حياتك،ولا حياة لك إلا بحياة قومك ووطنك ودينك ولغتك وجميل عاداتك، وإذا أردت الحياة لهذا كله ، فكن ابن وقتك، تسير مع العصر الذي أنت فيه بما يناسبه من أسباب الحياة وطريق المعاشرة  والتعامل. كن عصريا في فكرك وفي عملك وفي تجارتك وفي صناعتك وفي فلاحتك وفي تمدنك ورقيك، كن صادقا في معاملاتك  بقولك وفعلك».

س: تحدثت السلطة عن دار للفتوى ولكن ألغيت من برنامج  الرئيس، ما هي الخلفيات التي تقف وراء ذلك، سيما وأن الجزائر تعاني من آفة الافتاء بغير علم من طرف أنصاف المتعلمين؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان: أولا أحب أن أشير أنّ آفة الإفتاء بغير علم لا تميز الجزائر وحدها وهذا اعتبره تحاملا على الجزائر يا سيدي، بل هي بلوى  عمّت البلاد العربية والإسلامية قاطبة ولا أدل على ذلك  من أن مفتي الأزهر تقدم هو بذاته بمشروع إلى مشيخة الأزهر  لتشكيل هيئة أو لجنة لرقابة  الفتاوى التي تقدم  على الانترنت والفضائيات  التي شذ فيها أصحابها بطريقة تهدد الدين ذاته  وتربك الأمة.

فالأمر إذن بلاء عام وما خصنا وحدنا فقط. أما فيما  يتعلق بأسباب إلغاء دار الإفتاء فيسأل عنها غيرنا.

س: رحلت عن الجزائر رموز مهمة في الآونة الأخيرة وعلى رأس هؤلاء الشيخ محفوظ نحناح والشيخ أحمد سحنون، والشيخ بوسليماني من علماء الأمة الجزائرية، ما هي العلاقات التي تربطك بهؤلاء جميعا، وما هو مستقبل المرجعية الجزائرية؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان: رحم الله ثلاثتهم وأسكنهم فسيح جنانه فقد كانوا نعم الإخوة  لي فالشيخ أحمد سحنون كان لي زميل  جهاد وأما الشيخين  الآخرين فقد  كانا تلميذين لي ثم صارا من مساعدي الأصفياء الأوفياء وأنا  لا أوافقك على أن المرجعية فقدت في الجزائر بل هي باقية فيها إلى يوم الدين بحول الله ذلك لأنها ولا فخر لا زالت تزخر بالرجال من ذوي  العلم والخبرة والشجاعة في الحق وحسن  التأتي للأمور،بما يجعل  مرجعيتنا الدينية باقية فينا بحمد الله .

س: تعتبرون شاهد عيان على مراحل مهمة من تاريخ الجزائر بل كنتم  من الحاضرين في العديد من الوزارات المختلفة ، كيف تقرأون ما وصلت إليه الجزائر من محن وإحن وكيف تنظرون إلى الأسباب والمستقبل؟

الشيخ عبد الرحمان شيبان:من المعروف أن الأزمة التي اجتازتها بلادنا لها أسباب داخلية وخارجية ترجع للتحولات الجذرية للنظم السياسية العالمية ذاتها وهي بحمد الله على وشك اجتيازها بسلام نهائيا بحول الله ولا أرى  مستقبل الجزائر إلا زاهرًا  مشرقا ما تمسكت بدينها ولغتها وقاومت دعاة التغريب والتخريب.


 




















حوارمع  شيخ علماء الجزائر سماحة العلامة عبد الرحمان شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

--------------------

--------------------

لماذا حدث ما حدث في غزة؟

--------------------

  |الرئيسية | أهداف المركز | اتصل بنا |

 اطبع هذه الصفحة | أعلى الصفحة|