إشكالية الفهم كزاوية لكتابة تاريخ الاستعمار الفرنسي بالجزائر
د. الطاهر عمري
أستاذ محاضر بالمدرسة العليا للأساتذة- قسنطينة- الجمهورية الجزائرية
إن نظرية الإدراك Théorie de perception قد تجاوزت في استعمالاتها حقل علم النفس وصار بالإمكان إعطاؤها تطبيقات في ميادين كثيرة منها علم النفس التعلم La psychologie de l'apprentissage وعلم النفس العيادي ونطمح نحن في هذا المجال إلى استعمالها كمفهوم إجرائي في ميدان علم التاريخ خصوصا وأن المتخصصين في ميدان علم نفس الإدراك يؤكدون على أن« إهمال تنظيم المحرضات التي تصل إلى الحواس من العالم الخارجي يجعل المرء يعيش حالة من الفوضى الإدراكية.. كما أن تنظيم هذه المحرضات بطريقة عزل العناصر غير المرغوب في إدراكها أو إدراك عناصر غير موجودة كل ذلك يجعلنا نعيش عالما من الأوهام» (*). كل هذا المسعى هو من أجل كتابة جديدة لتاريخ الجزائر تستعمل لصالحها مكتسبات علوم الإنسان الحديثة في جوانبها المعرفية والمنهجي.
فقد لاحظنا من خلال بحثنا في تاريخ الجزائر الحديث أن بعض الكتابات تحاول أن تفرض قوالب جاهزة من حيث زاوية الرؤية مع أنها تصادر على المطلوب؛ إذ تفترض منذ البداية أن الاستعمار الفرنسي كان يعرف كل شيء عن المجتمع الجزائري وأنه جاء بمخطط مسبق وواضح المعالم والخطوات من أجل تحطيم بنى هذا المجتمع. كما تفترض نفس هذه الزاوية في التحليل أن الجزائريين كانوا يعرفون كل شيء عن الاستعمار وأنه كانت لديهم فكرة واضحة حول كيفية مواجهته.وقد قمعت هذه النظرة كثيرا من عناصر الفهم الضرورية وأغرقت تاريخ المقاومة العسكرية خلال هذه المرحلة في الغموض وكرّهت إلى الأجيال قراءته.
وتعيد هذه الزاوية في القراءة تاريخ الجزائر إلى أحضان الثقافة العربية الإسلامية.
1.الصدمة التاريخية:
إن الحكم على الأشياء هو - كما يقول علماء المنطق - فرع عن تصورها . و انطلاقا من هذه القاعدة المنطقية فإنه من المفيد- منهجيا- أن ندخل لموضوعنا من باب تصور الجندي الفرنسي للمجتمع الجزائري و بناه الأصلية، و كذا تصور الجزائريين لرواد الغزو، مع أول احتكاك بين الطرفين . وسوف يساعدنا ذلك على فهم أثار الغزو على بنية المجتمع الجزائري.و للحصول على مقاربة واقعية في الموضوع لا بد من الرجوع إلى الشهادات المعاصرة لبدايات الغزو، و ما توفره لنا المصادر القريبة إلى تلك الفترة.
لقد لخص حمدان خوجة ، و هو أحد المعاصرين لهذه الفترة ، في كتابه المرآة ، نظرته إلى الحملة الفرنسية على الجزائر و اعتبرها " صدفة تاريخية " Hasard historique . وأرجع أسباب الخصومة بين الحكومة الفرنسية وداي الجزائر إلى تشابك معقد لأخطاء سببها سوء الفهم المتبادل بين الطرفين.[1]
1) و إذا أهملنا- إلى حين- الأطماع المادية و الأحقاد الروحية التي وجهت هذه الحملة، سنة 1830، و اقتصرنا-تبعا للمنهج الذي اخترناه- على تصور الجندي الفرنسي و المعمر الأوروبي للواقع الجزائري، فإننا نقف على جوانب هامة، تساعدنا على إدراك ثقل هذه " الصدفة " التي تحولت- شيئا فشيئا- إلى "صدمة" للطرفين. وقد ظهر، من خلال الأحداث المتلاحقة، أن قادة الجيش الفرنسي لم يستفيدوا شيئا من تجربتهم في مصر. إذ يذكر المؤرخون أن هؤلاء لم يتمكنوا من فهم طبائع الشعوب الإسلامية، إذ كانوا يجهلون بنية المجتمع الجزائري، دينا و دنيا، و إدارة. بل إن« الحقد الأعمى، الذي تضاعف أوائل القرن التاسع عشر ضد الولايات العثمانية بشمال إفريقيا، كان قد تشبع من نفوس قادة الحملة الفرنسية على
2) الجزائر». ([2])
كما تشهد المصادر الفرنسية أن صورة المجتمع الجزائري ، لدى رواد الغزو، كانت تصدر عن الخيال أكثر مما تصدر عن الواقع . و قد عبر بعضهم عن هذه الصورة الغامضة " بالسراب الجزائري " Mirage algérien الذي استمر طويلا بعد هذا التاريخ([3]).كتب شارل تايارد Charle Taillard يقول: « لم تكن فرنسا تعرف عن الدولة الجزائرية سنة 1830 إلا الشيء القليل([4])، أو هي لا تكاد تعرف عنها شيئاً بالمرة[5]
كانت الأفكار السانسيمونية، في فرنسا في هذه الفترة، تجتذب إليها عددا من رواد الغزو العسكريين، الذين كانوا يؤمنون بالنضال من أجل برنامج طموح يتعلق بالتطور الاقتصادي و المشروعات الكبرى. و كان بعضهم يناضل داخل أحزابهم من أجل الترويج لمذهبهم السياسي و الاجتماعي باعتبار أن « السانسيمونية -مثل غيرها من المذاهب السياسية والاقتصادية والسياسية -كانت تطمح لتحقيق سعادة الإنسانية (...) والنفع العام ،دون نظر لمصالح الأفراد»([6]) .غير أن هذه الأفكار « لم تكن عبارة عن برنامج واضح »([7]) . ولذا فإنه عندما يواجه هؤلاء القادة الشبان المشبعون بأيدلوجياتهم مجتمعا تحت وقع " الصدمة "، فلنا أن نتصور جميع المشكلات التي يمكن أن تحدث من جراء هذا الصدام ([8]). وذلك رغم طموحاتهم الواقعية أو الحالمة في نشر الحضارة بطريقة الغزو العسكري. و يذكر المحللون أن كثيرا من رواد الغزو كانوا يفهمون الاستعمار على أنه إرادة واعية لنشر الحضارة ، و لكن هناك خطرا كان ينبغي أن يتوقعوه -كما تقول إ.تران - و هو" احتمال الاصطدام بحضارة أخرى" ([9]).
و قد أثبتت لنا الأحداث التاريخية فيما بعد أن الحكومة الفرنسية عندما أرسلت قواتها لغزو الجزائر لم يكن لديها أي مشروع واضح بهذا الشأن ، و لم تقم - على حد علمنا - بأي دراسة مسبقة بشأن الجزائر. كما أن الأفكار التي كانت تروج في فرنسا عن الجزائر" كان أكثرها مغلوطا و مشوها".([10]) بل إن كثيرا من رواد الغزو أنفسهم اعترفوا بأنهم كانوا يجهلون كل شيء عن الجزائر ، إلا ما قرأه بعضهم في تقارير الجواسيس و رحلات المستشرقين ([11]) و القلائل من بينهم - فقط- هم الذين كلفوا أنفسهم عناء التعرف على هذه البلاد .
فكلهم –تقريبا- كانوا يعلمون أن الجزائر كانت مركز القرصنة، و أن حكامها أتراك متوحشون، و أهلها عرب منحطون، " و لكن ما هي الأحوال في الداخل؟ و ما هي الطبائع و العادات و الملامح الاجتماعية للشعب؟ و ما نوع الحكومة التي يمكن أن تحل محل التي انهارت ؟ و ما هو النظام الإداري الذي يجب إدخاله؟ كل ذلك لم يفكر فيه أحد آنذاك، فقد كان الجهل واللامبالاة مطبقين بخصوص تلك النقط" كما يقول إسماعيل حامت([12]).
3.نتائج الجهل بالآخر
و قد جعل هذا الجهل بالجزائر و سكانها و بناها الأصلية، المجتمع الفرنسي و حكومته يختلفان بين مؤيد ومعارض بشأن الاحتلال الجزئي أو الشامل وبين الاحتفاظ بالجزائر أو التخلي عنها نهائيا.([13]) كما جعل هذا الجهل " بالأخر"-الجزائري القادة العسكريين الفرنسيين يعانون لفترة طويلة من التخبط الإداري و الفوضى في تثبيت وجودهم بالجزائر. الأمر الذي جعلهم يتعرضون للشك و التهجم و الرفض من طرف الجزائريين([14]). و نورد كمثال على عجز الجندي الفرنسي عن تصور الواقع الجزائري ما جاء في رسالة موجهة إلى الكونت كلوزيل، مؤرخة في 20 ماي 1831 ، صادرة عن أحد مساعديه يقول فيها «لقد طلبتم أن أفصل لكم نظرتي حول إقامة مؤسسة للتعليم العام بالجزائر (...) ينبغي أن أعترف لكم أنني لا أعرف الجزائر إلا من خلال الوصف» ([15]).
إن من الأفكار الاستشراقية، التي كانت رائجة في أوروبا ، قبل غزو الجزائر، و التي يكون رواد الغزو قد تأثروا بها، الفكرة التي تزعم أن الإنسان العربي لا يحب إلا من يخضعه بالقوة ([16]) و ما دام المستشرقون الأوروبيون قد ساهموا في الغزو منذ حملة د يبورمون على الجزائر ([17]) فلا يستبعد أنهم قد كرسوا نظرية استعمال العنف المادي مع الجزائريين، باعتبارهم لا يخضعون إلا للقوة.
جهل متبادل
ولم يكن الجهل " بالآخر "- المستعمر لدى الطرف الجزائري بأقل منه لدى الغزاة الفرنسيين. و كان مما يعقد الوضع و يصعب العلاقات هو الأفكار المسبقة التي كان الجزائريون يحملونها عن " الغزاة المسيحيين " و التي كان معظمها -إذا أخذناها في إطارها التاريخي آنذاك- مشبعة بروح العقيدة الإسلامية، و مرفقة بالتعصب الناتج عن السنوات الطويلة للخصومة بين الطرفين. و نقصد بالتعصب هنا، «الأحكام غير المؤسسة على عناصر موضوعية، ثم تصاحبها مشاعر الكراهية تجاه " الأخر "وتكون-غالبا-مرفقة بسلوكيات عدائية».
جاء في تقرير حمدان خوجة، إلى اللجنة الإفريقية ، سنة 1833، قوله: «و هناك سبب أخر منع من ظهور الحقيقة، و هو أن أبناء قومي يجهلون مؤسسات الفرنسيين، و قوانينهم و عاداتهم و موضوع وجودهم في إفريقيا»([18]). وكان من نتائج هذا الجهل لدى الجزائريين، أن الغزو الفرنسي في بداياته لم يثر لدى هؤلاء أي خوف أو قلق. لأن ذلك كان من الأمور المألوفة لديهم، إذ طالما نزل الفرنجة بالشواطئ الجزائرية قبل ذلك. بل إن هؤلاء كانوا قد احتلوا بعض المدن الساحلية، فطالما رفرفت أعلام إسبانيا و إنجلترا على حصون وهران، و خضعت عنابة و الجزائر مرات عديدة لمطالب الأوروبيين، و لكن كل ذلك قد انتهى . و لذلك لم يشعر الجزائريون بخطورة الفرنسيين الغزاة في البداية، بل إن تصرفات هؤلاء هي التي أقنعت الجزائريين أن هذا الحضور لم يكن بالأمر العادي([19]).
و إذا قرأنا موقف الجزائريين، في ضوء البنية الثقافية والدينية للمجتمع في ذلك الوقت، ظهر لنا أن الجزائريين كانوا يعتقدون أن الله لن يسمح للكافر " بتدنيس " جزء من أرض الجزائر المحروسة التي هي قطعة من دار الإسلام. و لكن يظهر أن شراسة الغزو قد وضعت حدا لهذا الاعتقاد، و صارت هزيمة الجزائريين، تفسر على أنها" تعبير عن غضب الله على عباده المنحرفين عن منهجه الصحيح ".([20])
وهذا ما نجده في قصيدة ابن الشاهد في احتلال الجزائر إذ «خاطب فيها أسوار الجزائر التي كانت حصينة ومع ذلك سقطت أمام الأعداء متسائلا ما إذا كان سقوطها من الخوف أو من الخيانة . ويعيب على أهل الجزائر ابتعادهم عن الله مما أوقعهم في قبضة الجور والجهل وخراب الاقتصاد وبوار البيوت..»([21]) و هذا الموقف الديني- في نظرنا- لم يكن يعبر عن رأي فئة فحسب، بل ربما كان يمثل الرأي العام الذي يعبر عن الحالة الثقافية و بنية المجتمع في ذلك الوقت. و بالتالي فإن «هذه الفكرة-كما يقول حمدان خوجة- هي فكرة كثير من الناس» ([22]) .
بل إنها _ كما يقول ديبارمي- تمثل « عمق العقلية المغربية ». فهذا المداح عبد القادر ، الذي شهد بدايات الاحتلال ، يقول في قصيدته المطولة([23]): سلطانة المدن الجملا ولات غير في يد اعدانا
ولات للنصارى شينين الدين
ثانياً. مقاربات لتحليل بعض الأحداث التاريخية بواسطة إشكالية الفهم
المقاربة الأولى:
نظريات الإبادة العرقية:
إن النظام الاستعماري -في الواقع- لا يمكن أن يوجد و يستمر إلا خلال نظام من " نفي الأخر" . ذلك أن الاستعمار-كما يؤكد الباحثون - " ارتبط منذ نشأته بالاستغلال أوثق ارتباط . بل كان الاستغلال هدفا أساسيا من بين أهدافه .. "([24])
و يفترض هذا الاستغلال - منذ بداياته- عنصرين هامين: ترسيخ نوع من العلاقات الاجتماعية الرأسمالية، و بالتالي تحطيم العلاقات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية (= البنى الأصلية)، أو إخضاع هذه الأخيرة للبنى الرأسمالية الجديدة، في حالة العجز عن تحطيمها. و هذان العنصران " شرط أساسي لاستمرار الوجود الاستعماري "([25]). وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن البنى الأصلية للمجتمع الجزائري تسري فيها روح العامل الديني، استطعنا أن نفهم كيف أنه من الصعب ترسيخ علاقات اجتماعية رأسمالية على حساب البنى الأصلية، و من هنا يصبح القضاء على هذا العامل أو على الأقل التخفيف من مقاومته أمرا إستراتيجيا بالنسبة لرواد الغزو. و لكي يتم لهؤلاء العسكريين التخفيف مما يسمونه التعصب الديني، و لكي يستميلوا إليهم هذا الشعب الجزائري ، ينبغي، كما يقول حمدان خوجة،" أن تغير استعداداته؛ فتمحي من ذهنه تلك الأفكار السوداء التي كونها عن الطبع الفرنسي، و التي لم يكن يعرفها من قبل . و هي اليوم من سوء الحظ-يقول حمدان خوجة- تزداد تفشيا في أعماق قلوب الأهالي.."([26])
غير أن هذا المشروع المقترح من حمدان خوجة، و الذي يهدف إلى تطبيع العلاقات بين الفرنسيين و المجتمع الجزائري ، لن يتبلور - جزئيا على الأقل- إلا بعد عقود من الفوضى الإدارية و العسكرية. وقد بقي الشعور المتفشي في أعماق الجزائريين يتمثل في النفور المتزايد من المستعمرين. و ذلك راجع- حسب حمدان خوجة دائما - إلى أسباب أربعة رئيسة ،وهي: " الشعور بالاستعباد من طرف أمة أجنبية ، استعملت لذلك القوة و التحايل. 2- اختلاف الديانة ، لأن سكان الإيالة يتصورون أن الفرنسيين لا يحاربون إلا بدافع التعصب الديني. و هي فكرة تولد لديهم أعمال العنف التي يقومون بها -3- خشية المآل إلى الفاقة، نتيجة اغتصاب أملاكهم .4- و أخيرا الأحداث التي وقعت في مدن مختلفة، و التي أمرت السلطة الفرنسية بوقوعها."([27])
لقد ساهمت هذه الأسباب، مجتمعة أو متفرقة، في إقناع الجزائريين أن الغزاة الفرنسيين يتصرفون بدافع الانتقام و الحقد الديني . و لكن هل قام منظرو الاستعمار بعمل شيء لتغيير الاستعدادت و محو هذه "الأفكار السوداء " من أذهان الجزائريين، على حد تعبير حمدان خوجة؟!
تدعونا محاولة الإجابة عن هذا التساؤل، إلى فحص مقترحات العسكريين في ذلك الوقت، في اتجاه إزالة هذا العائق النفسي المترتب عن إشكالية الفهم. و سوف نركز على السنوات الأولى للغزو (1830-1851) بإعتبارها حقبة مفتاحية لفهم مستقبل المجتمع الجزائري و قراءة جميع التحولات التي طرأت فيما بعد على بناه الأصلية ([28]). كما يجب - للأمانة العلمية- الإشارة إلى أنه كان هناك تناقض واضح في تحليل المشكلات السياسية بالجزائر بين السلطات العليا بباريس، و بين تنظيرات و تصرفات العسكريين المتواجدين على أرض الجزائر.([29]) وهو ما يجعلنا نعتقد أن بعض العسكريين كانوا يصدرون عن آرائهم الخاصة ومستوى إدراكهم للحلول الممكنة. و يؤكد ذلك ما جاء في رد لوزارة الحربية على شكاوى حمدان خوجة،بقولها: " يجب علينا أن لا نثق بعمى، في السلطة المحلية بالجزائر، و التي يمكن أن تحاول تغطية الأخطاء التي ترتكبها هناك. "([30])
إن الجزائر لم تكن أرضا شاغرة، يسهل الاستقرار فيها دون صدام مع السكان الأصليين ([31]) ، والذين قدر عددهم بثلاثة ملايين نسمة سنة 1830([32]). فيذكر Yacono أن أغلب المؤلفين الذين تعرضوا لتاريخ الجزائر قد تأثروا بآراء ذات طابع سياسي فيما يخص تقدير عدد سكانها عشية الاحتلال، ويرى ،بعد فحص هذه الآراء ، أن تعداد السكان آنذاك كان يقدر «بثلاثة ملايين على الأقل وهو العدد الذي أكده أكثر الرجال اطلاعا على شؤون البلاد»([33]). و قد كان المجال الحيوي للاستعمار،في بداياته يتحدد بالمنطقة التلية الأكثر سكانا، و الأكثر خصوبة في الأرض.
و لإزالة " العائق " النفسي الناتج عن إشكالية الفهم، أصبح السؤال يطرح بالطريقة التالية: ماذا نفعل بالشعب الجزائري؟ و هنا كثرت المقترحات و المشاريع ([34]). و طبيعي أن تختلف المقترحات باختلاف المشارب الأيديولوجية للعناصر المشاركة في الغزو: من جيش، و كنيسة ،و برجوازية، و طبقة كادحة مهاجرة، و منفيين سياسيين، و أفكار اشتراكية أو شبه اشتراكية، و ملكيين و جمهوريين و إنسانيين، و شعوبيين و ملحدين. و لكنها - في نظر الجزائريين- كانت تهدف كلها إلى أمر واحد ([35])، هو إحلال أمة مكان أمة أخرى، مرورا بالإبادة العرقية .
و الذي يجعلنا نؤكد على نظرية الإبادة العرقية، هو أن هذا الرأي كان منتشرا بكثرة بين المعمرين و رجال الجيش في تلك المرحلة. ويذكر آجرون أن هذه الفكرة وضعها منظر المجتمع الاستعماري في الجزائر، والمسمى أرموند فيكتورهان A.V.Hain ، الذي وجه سنة 1832 " نداء إلى الأمة بالجزائر" ، يقول فيه باستحالة إدماج السكان الأصليين. و أفتى بشرعية طردهم إلى الصحراء، أو إبادتهم، في حالة المقاومة " مثلهم مثل الوحوش المفترسة، ينبغي أن يتراجعوا أمام زحف مؤسساتنا، و أن يشردوا في رمال الصحراء " ([36]).
و قد كان بيجو في هذه الأثناء، هو العقل المفكر لمجموعة كبيرة من الضباط الشبان([37]). ذوي توجهات واستعدادات مختلفة ولكنها مميزة .ذلك أن هؤلاء «فهموا أن الحرب في الجزائر تقتضي طرقا أخرى غير تلك المستعملة في الحروب الأوربية، وكان منهم لامورسيير الذي يوصف بذي العقل الخلاق والمنظم ، مع معرفته باللغة العربية وتقاليد المجتمع ، إضافة إلى كونه رافق تجارب الاستعمار بالجزائر منذ 1830 والى غاية 1848 »([38]) و كانت أفكارهم تروج بكثرة في صفوف العسكريين. إذ نجد الكولونيل دومنتنياكDe Montegniac ،و هو من تلاميذ بيجو يحدث في مراسلاته عن ترحيل الشعب الجزائري كله إلى جزر ماركيز. و كان القائد العسكري ريشارد Richard، و هو من تلاميذه أيضا،قد اقترح سنة 1845، حشر الشعب الجزائري خلف الأسلاك الشائكة.
و كان بيجو يعي صعوبة تنفيذ هذه المقترحات، و لذلك فإنه صار يتحدث في منشور مؤرخ في 19 فيفري 1847 ،عن مزاحمة الشعب الجزائري على أرضه عن طريق انتزاع الأراضي الخصبة من الأعراش، بحيث لا يترك لها سوى الحد الأدنى([39]). وكانت هذه الفكرة -في رأينا- طريقة أخرى لإبادة الشعب الجزائري ،عن طريق الفقر، و فسح المجال للمعمرين الأوربيين.
المقاربة الثانية:
محاولات التأثير على الجوانب الثقافية - الروحية.
1.محاولات التنصير:
يذكر أن المارشال بيجو صرح- بعد أن هزم الأمير عبد القادر نهائيا- سنة 1845، قائلا: " إن كره العرب لنا و لديننا سوف يستمر قرونا عديدة " ([40]).و قد علق أحد رجال الدين الكاثوليك وهو تورنيي Tournier الذي نقل لنا هذا التصريح، بأن الإنجيل و القرآن لا يمثلان مجرد ديانتين متناقضتين و لكن يمثلان - و هذا هو الأهم في رأيه- حضارتين متعارضتين.
و أضاف أن الشعب المنهزم يحن -دائما- إلى حريته و أن إدماجه لا يكون بسلطان القوة و لا بإغراءات المصلحة. ذلك أن الجزائري على حد تعبيره - إذا كسرت مقاومته الوطنية و الدينية فإن هذه الأخيرة سوف تتشكل في قلبه و فكره، و حينها لا يكون للأسلحة و المدافع أي تأثير بل يجب استعمال السلاح الديني الذي ينفذ إلى أعماق الروح([41]) .
إن الإبادة العرقية، الذي تحدثنا عنها- سابقا- و ما صاحبها من تاثير على البنية السكانية و الاقتصادية، يجعلنا نطرح تساؤلا، هو نفسه الذي طرحه حمدان خوجة، مع بدايات الاحتلال في قوله:" لو كان الشعب الجزائري يعتنق الديانة المسيحية مثل الغزاة الفرنسيين، فهل كان هؤلاء يستعملون معه نفس الطريقة؟" ([42]).و رغم قناعتنا - مع حمدان خوجة- أن الدافع الديني لم يكن وحده وراء غزو الجزائر، إلا أن المعطيات التاريخية تفيد أن هذا الرأي كان رائجا بين الكثير من سكان الجزائر ([43]). بل يذكر أنه كانت تروج في هذه الأثناء أخبار، مفادها أن الحكومة الفرنسية كانت قد أعطت أوامر من أجل تنصير المسلمين الجزائريين، و لم يصدر عن الصحف الفرنسية الرسمية آنذاك أي تكذيب لهذه الأخبار. ([44])
و ليس هناك ما يدعونا إلى استغراب وجود مثل هذا المشروع في أذهان القادة الفرنسيين- آنذاك- خاصة إذا عرفنا أن قادة الجيش الفرنسي كان معظمهم من الاشتراكيين الملحدين، أو المتحمسين لفكرة جزائر ريفية مسيحية، قائمة على مصادرة الأراضي، و طرد الفلاحين الجزائريين([45]). ويذكر إيميريت أن أغلب السانسيمونيين الذين دخلوا الجزائر " كانت توجهاتهم ذات بعد ديني واقتصادي في آن واحد .غير أن بعضهم غلب عليه الجانب الاقتصادي ، أما الأفكار الدينية فعرفت أكثر بين الضباط والموظفين "([46]). والى جانب هؤلاء العسكريين كان يوجد مناضلون كاثوليك ، مشبعون بأفكارهم، و منخرطون في حرب مسيحية مقدسة، " لإعلاء كلمة الله و نشر الحضارة "([47]).
و سوف يطول بنا العرض بما لايسمح به المقام، لو أردنا أن نستعرض جميع تصريحات الغزاة الأوائل عسكريين و رجال دين و مناضلين مشبعين بأفكارهم. و لكننا نكتفي في هذا الصدد بذكر موقفين :الأول منهما لمسافر عادي والثاني لرجل دولة،وذلك لنعرف تقاطع الأفكار حول موضوع التنصير بين رجال الدين و رجال الدولة في الجزائر.
إن لويس فيو L.Veuillot، عندما وضع رجله على أرض الجزائر، كمسافر عادي، رجعت إليه ذكريات الحروب الصليبية، فصرخ قائلا : " كم كنت أتمنى في لحظتي هذه أن أرتدي بذلة جنودنا، و أن أحس بأن أحد سيوف الله تتدلى على ساقي، أضرب بها هؤلاء الأعداء الشرسين"([48]). كما أننا نجده يذكر أسماء رجال الكنيسة الإفريقية الصليبية من غودو فروا دي بوين ، إلى سان لويس ، يطلب منهم " أن يباركوا الجندي الفرنسي، و أن يشدوا أزره في غزو الجزائر "([49]). و قد أوصى الصحفي بوديكور Boudicour بجلب المارونيين من لبنان لتسهيل نشر المسيحية في إفريقيا. ([50])
أما بالنسبة للجهات الرسمية في السلطة ، فقد أكد سكرتير الحاكم العام الفرنسي بالجزائر، عام 1832 على نفس الروح الصليبية قائلا: " إن أيام الإسلام قد دنت، و في خلال عشرين عاما، لن يكون للجزائر إله غير المسيح. و نحن إذا أمكننا أن نشك في أن هذه الأرض تملكها فرنسا، فلا يمكن أن تشك، على أية حال، بأنها قد ضاعت من الإسلام إلى الأبد "([51])
غير أن الشك يبقى يراودنا حول مدى جدية رجال الدولة و جنرالات الجيش الفرنسي بالنسبة إلى التنصير، إذ أننا لا نعتقد أنه كانت لدى أغلبهم نية دينية خالصة في نشر دين المسيح بين المسلمين الجزائريين. و إنما تندرج توجهاتهم -برأينا- في إطار السعي إلى تحقيق سياسة واسعة النطاق، تعتمد على تدعيم الاستيطان الأوربي، و خدمة مصالحه ، عن طريق الاستيلاء على ثروات البلاد، و لكن هذا المشروع ظل متوقفا على إزالة العائق ، المتمثل في العقيدة الإسلامية([52])، و ما يرتبط بها من تصورات و سلوكيات تمارس تأثيرها على اللاشعور السياسي(* ) للجزائريين في مقاومة الاستعمار.
و هذه النظرة، نظرة العودة بالجزائر الى ما قبل دخول الاسلام ، هي التي بدأت تتبلور شيئا فشيئا، وتترسخ بالتجارب الميدانية، و تحل محل وضعية " الجهل بالأخر "، و الجهل بما يجب عمله . وقد صرح بذلك أحد الكتاب في قوله: " إن دروس الماضي تعلمنا أن العرب لا يندمجون كليا إلا في الأمة التي تفرض عليهم في كل مكان لغتها و دينها "(